سيد محمد طنطاوي
225
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والاعتداء سببين آخرين لضرب الذلة والمسكنة عليهم واستحقاقهم لغضب اللَّه كما أشرنا من قبل . والإشارة حينئذ من قبيل التكرير المغني عن العطف كما في قوله - تعالى - أُولئِكَ كَالأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ . والمعنى : أن هؤلاء اليهود قد لزمتهم الذلة والمسكنة ، وصاروا أحقاء بسخط اللَّه بسبب كفرهم بآياتنا وقتلهم أنبياءنا وخروجهم عن طاعتنا ، وتعديهم حدودنا . وعلى هذا الرأي يكون ذكر أسباب العقوبة التي حلت بهم في الدرجة العليا من حسن الترتيب فقد بدأ - سبحانه - بما فعلوه في حقه وهو كفرهم بآياته . ثم ثنى بما يتلوه في العظم وهو قتلهم لأنبيائه ، ثم وصمهم بعد ذلك بالعصيان والخروج عن طاعته ، ثم ختم أسباب العقوبة بدمغهم بالاعتداء وتخطى الحدود ، وعدم المبالاة بالعهود . وهذا الترتيب من لطائف أسلوب القرآن الكريم في سوق الأحكام مشفوعة بعللها وأسبابها . وبذلك نرى أن الآيات الكريمة قد بدأت حديثها بمدح الأمة الإسلامية بأنها خير أمة أخرجت للناس ، ثم ثنت بدعوة أهل الكتاب إلى الإسلام وبإخبار المؤمنين بأن أعداءهم لن يضروهم ضررا يؤثر في كيانهم ما داموا معتصمين بتعاليم دينهم ، ثم ختمت حديثها ببيان العقوبات التي حلت باليهود بسبب كفرهم وبغيهم . وبعد هذا الحديث الحكيم عن أهل الكتاب ، وعن العقوبات التي أنزلها - سبحانه - باليهود بسبب فسقهم وظلمتهم ، بعد كل ذلك ساق - سبحانه - آيات كريمة تمدح من يستحق المدح من أهل الكتاب إنصافا لهم وتكريما لذواتهم فقال - تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 113 إلى 115 ] لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّه آناءَ اللَّيْلِ وهُمْ يَسْجُدُونَ ( 113 ) يُؤْمِنُونَ بِاللَّه والْيَوْمِ الآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ويُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 114 ) وما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوه واللَّه عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ( 115 )